نستكمل في هذا الجزء من الدراسة حديثنا عن مدينة بغداد قلب العراق وروحه وهويته الأبدية، تحدثنا في الدراسة السابقة عن مختصر لأهم الظروف التي مرت وتمر على العراق عموماً وبغداد على وجه التحديد، وهي لاشك امور لاتخفى على ابناء البلد لكن من الضروري التذكير بها حتى يعلم المواطن حقيقة ما يمر البلد و مايتعرض له على يد العصبة السياسية ومن يدعمها.

كما هو معلوم لدى الجميع اذا صدرت ارادة بتدمير بلد ما او مجتمع معين دون شن الحروب المباشرة فما عليك سوى تدمير الطاقات البشرية والعقول الفعالة والعلماء لذلك البلد باختصار اي تدمير كيان البلد الفعّال وهو وما تعرض له العراق وبغداد تحديداً:
١- هجرة الكفاءات واستهدافها:
منذ بداية التسعينيات وضع الكثير من الكفاءات والعلماء العراقيين نصب أعينهم مغادرة البلد وذلك بسبب الحصار المدمر الذي فرض في تلك الفترة وما مر به البلد من أزمات وحروب متتالية فكانت تلك الفترة هي احد اهم الأسباب لهذه الكارثة ، نعم الكارثة وهي كارثة لعدت اسباب سنوضحها خلال سردنا لهذا الأمر، وأما للفترة ما بعد ٩ ابريل من العام ٢٠٠٣ فأن الامور تطورت نحو الاسوء اصبحت الكفاءات والعلماء اهداف صريحة للاغتيالات والتصفية من قوى أقليمية وداخلية مدعومة إقليمياً للسبب الذي سبق ذكره وهو إفقار البلد و إفراغه من العقول والكفاءات، وعلى سبيل المثال : تحتضن بريطانيا أقدم الجاليات العراقية في أوروبا والمهجر.

وأظهرت الإحصائيات إن نسبة المتعلمين من هذه الجالية عالية جداً، حيث نسب الشهادات الجامعية 75 في المائة، ونسبة الذين يحملون شهادات عليا هي 33 في المائة للذكور و9 في المائة للإناث وهو مؤشر على ارتفاع هجرة أصحاب الكفاءات العالية,وان أكثر من 2000 طبيب عراقي يعملون في مستشفيات بريطانيا.

وربما لا يدرك الكثيرون إن تكلفة تدريس وتخريج طالب كلية الطب في العراق بلغت أكثر من 15 ألف دينار عراقي في السبعينيات أي حوالي 45 ألف دولار. أي إن وجود أكثر من 2000 طبيب عراقي يعملون في مستشفيات بريطانيا الآن كلف خزينة الدولة أكثر من 100 مليون دولار.

وفي دراسة أعدتها منظمة الطاقة الذرية العراقية عام 1989 قدرت كلفة دراسة الحائز على شهادة الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا بمبلغ (140) ألف دولار.

وفي دراسة أخرى قدرت كلفة هجرة (17500) حامل شهادة ماجستير و(7500) حامل شهادة دكتوراه بـ (4550) مليون دولار، بينما بلغت كلفة استقطابهم (1125) مليون دولار، وهذا يعني أن العراق قد وفر لتلك الدول ما يصل إلى (3425) مليون دولار، إضافة إلى اختصار مدد زمنية تتراوح بين (15 – 20) عاماً لها واحتياج العراق لنفس الفترة لتعويض هجرة هذه الكفاءات والمثال على سبيل التقريب لا الحصر.

منذ العام ٢٠٠٣ فقد العراق تقريبا ما يقارب ال ٥٥٠٠ عالم بين مقتول ومهاجر إلى خارج البلد وهذا الأمر لوحده يعد كارثة الكوارث اذا يعد من المستحيل تعويض هذه الأرقام وسد الخلل الذي تركته هذه الكارثة والامر مازال مستمر حتى يومنا هذا. وقد يخطر لبال القارئ تساؤل ما علاقة هذا الأمر ببغداد ، بغداد تحمل النصيب الأكبر من عدد هؤلاء العلماء حيق كانت بغداد تشكل مركز بحثي علمي كبير بجامعتها المختلفة ومراكز بحوثها العديدة لذلك كان العلماء خسارة لبغداد خصوصا والعراق عموما.

٢- وأما المحور الثاني والذي يعد أهم عامل لضمان الحياة الكريمة للمواطن هو ” الأمان”، فشلت الحكومة بأحزابها السياسية في بغداد على مدى ١٧ عاماً من تحقيق الأمان بسبب النفوذ المتزايد لأحزابها ومليشياتها فكيف يطمح المواطن ان تحقق له هذه المنظومة الأمان الذي تفتقده نفسها ف فاقد الشيئ لا يعطيه.

الفساد المستشري وازدياد سطوة المليشيات كلف العراقيين الكثير من أروح ابناءهم الطاهرة ، ونضرب مثال بسيط اخر يوضح فداحة الأمر حسب البرلمان العراقي وهنا نذكر ما قيل نصاً “من صفقات الفساد التي كشفناها صفقة لبناء 16 نقطة تفتيش في محيط بغداد بـ170 مليار دينار عراقي، كانت مرتبطة بقيادات أمنية ومحافظ بغداد السابق ودائرة العقود، صوتنا على إلغائها لكن وفق القانون العراقي لا يمكن إلغاء عقود تم توقيعها”.

من بين صور الفساد يتم إلقاء القبض على متهم أو مجرم وفي الليل يتم الاتصال بالجهة المعتقلة وتؤمر بإطلاق سراح المعتقل لأنه تابع للجهة الفلانية، سواء قومية أو حزبية.

حسب كل المخططات والاستراتيجيات المعمول بها عالمياً يحتسب نسبة لتوزيع الشرطة وفقا للمساحة السكانية، وهي قسم شرطة لكل 6500 دار، ويضم 12 عنصرا. أما اليوم فتضاعفت الأرقام إلى العشرات ولكن من دون إنتاج، الأجهزة الأمنية عبارة عن ترهل وظيفي ورواتب وفساد مالي وإداري و فضائيين.!!

“حقيقة ولمجرد السؤال مالذي تفتقده الحكومة المركزية ببغداد ولا تفتقده حكومة إقليم كردستان والتي تعد المنظومة الأمنية فيها من ناحية توفير الأمن للمواطن من الأفضل ليس على مستوى العراق بل المنطقة ، فأصبح الاقليم الوجهة السياحية والعلاجية والترفيهية لجميع أبناء المحافظات الاخرى ”

يعود مجلس النواب للواجهة ليتحمل المسؤولية الأكبر من هذا الفشل ف لو تم إقرار القوانين بدلاً من تأجيلها لكان الحال افضل مما هو عليه لكن…..

٣-المحور الثالث هو بغداد كمدينة وما تمتلك من ميزات :
حقيقة الأمر بغداد بموقعها الفريد وما تحويه من مناطق محيطة بها ونهر جاري بين جنباتها جعلت منها كيان متكامل اقتصاديا سياسياً وحضارياً لذلك كانت وكما ذكرنا سابقاً محط انظار من الأزل،
أما اليوم مع إهمال الحكومة لملف المياه ووقوع العراق بين تركيا من جهة وإيران من جهة اصبح دجلة الابن البار لبغداد مهدد حقيقةً بالجفاف، وتعرضت المناطق المحيطة ببغداد والتي تعد سلة غذاء للعاصمة ببساتينها للتجريف وتوزيع اراضيها للاستثمارات السكنية وهذه كارثة اخرى تهدد بغداد بأمنها الغذائي وبيئتها هذه الظاهرة الخطيرة تبدّل في طبيعة المناطق من زراعية إلى سكنية. وأدى حقيقةً تقسيم الأراضي الزراعية لبيع قسم منها كقطع أراضٍ سكنية الى توسيع الخلل في الإنتاج الزراعي، وتسبّب في تبديد المناطق الخضراء، وتراكم أنقاض البناء من جرّاء عمليات البناء، وتشويه صورة الزراعة في العراق عموماً، وتغيير طبيعة المناطق من خضراء إلى جرداء”. في ارض كانت تسمى يوماً ارض السواد نسبة الى ثرواتها الزراعية.
لكن و دون شك من لم يستطيع المحافظة على ارواح الناس يقيناً لن يحافظ على اي أمر اخر.

٤- أما المحور الرابع والأخير لهذا اليوم هو الصناعة ، القطاع الصناعي في بغداد خصوصا و العراق بشكل عام ،قبل الإحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 كان عدد المصانع في البلاد يصل إلى 178 ألف مصنع بين مصانع صغيرة تشبه الورش ومصانع عملاقة وجميعها كان يعمل وينتج. تحولت معظمها شيئاً فشيئا إلى مساحات مهجورة، ثم أصبحت، بفعل الاستيراد المتضاعف، إلى مخازن تضمّ السلع المصنوعة في كل بقاع الأرض، إلّا العراق، وتعجُّ مبانيها بالحمّالين، بعدما كانت تمتلئ بالعاملين المهرة، في مختلف المجالات الصناعية. هذه كانت بمثابة “مجرزة” لتصفية المصانع، وتالياً الصناعة العراقية.

وتصنف المصانع حسب وزارة الصناعة والمعادن الى صنفين: معامل القطاع العام وهي 285 معملاً منها 85 معملاً معطّلاً، و72093 مشروعا صناعياً خاصاً، جميعها متوقف عن العمل، ووفق بيانات وزارة التخطيط، بلغ عدد المنشآت الصناعية الكبيرة 1161 منشأة في سنة 2018، وفق آخر الإحصاءات، منها 600 منشأة عاملة و591 منشأة متوقفة،ولا يتعدى عدد المشاريع الصناعية المسجلة في اتحاد الصناعات العراقية، في الوقت الراهن، 54 ألفاً ٪؜٩٠ منها متوقف و٪؜١٠ فقط التي تعمل وتنتج.و أما المدن الصناعية فعددها خمسة فقط، أربع منها في محافظات متفرقة هي بغداد والبصرة وذي قار والانبار والأخيرة على الحدود العراقية الاردنية، لكن جميعها غير مكتمل وأغلبها لا تشهد حياةً صناعية . ولاننسى أن لبغداد أيضاً نصيب الأسد من هذه الأرقام.

ختاماً من المسؤول عن كل ما يحدث وهل سيأتي اليوم الذي تتحمل فيه الحكومة بأحزابها السياسية مسؤولية ماحدث ويحدث على مدى عقدين من الزمن…

 

*يمنع منعاً باتاً استخدام المعلومات والنصوص الخاصه والواردة في هذا الموقع الا بأذن مسبق من ادارة المركز

أكتب تعليق