الموصل هي مركز محافظة نينوى وثاني أكبر مدينة في العراق من حيث السكان بعد بغداد حيث يبلغ تعداد سكانها حوالي ثلاث ملايين ونصف مليون نسمة ، تبعد الموصل عن بغداد بمسافة تقارب حوالي 465 كلم ، تشتهر بالتجارة مع الدول القريبة مثل سوريا وتركيا.

ومن المهم التعرض اليه هنا هو انه لم يكن للدولة العراقية الحديثة أن تتشكل في بداية العشرينيات من القرن العشرين لو لم تلحق بها الموصل التي ظلت موضوع تجاذب حاد بين بريطانيا وفرنسا منذ الحرب العالمية الأولى، وبين سلطات الانتداب الفرنسي وتركيا التي لم تتنازل عن الموصل إلا عام ١٩٢٦، بعد التوقيع على معاهدة انقرة

عرفت الموصل كأحد مراكز انتاج وتصدير النفط ومنذ النصف الأول من القرن الماضي حيث اكتشف حقلا نفط عين زالة وبطمة وتوجد حقول نفطية أخرى وغير مستغلة في سهل الموصل ، وكذلك ازدهرت وتوسعت الزراعة فيها بعد تطور مشاريع الري الحديثة وبناء سد الموصل “سد صدام” شمال المدينة عام 1984 وتعتبر أكبر منتج ومصدر للحبوب والبقوليات والخضر ، وطالما اشتهرت الموصل بنظافتها ورقيها وتنظيمها ويتميز سكانها بالحس الوطني العالي وعلى اختلاف مذاهبهم ومشاربهم دون تمييز، فكان أغلب شبابها يتطوعون في الجيش وكانوا معروفين بالانضباط والتفاني في خدمة البلاد والعلم وكان لجنودهم وضباطهم وقادتهم الدور البارز والوطني المؤثر في الحرب العراقية – الايرانية ، كانت الموصل ولا تزال مجتمعاً محافظاً ، فسكانها يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة والأخلاق والصفات الحميدة.

في صيف 2014، سيطر تنظيم داعش على الموصل، وأفرغ المدينة من “أقلياتها”، معتمداً سياسة القتل والتهجير ومصادرة الممتلكات واستعباد النساء واستباحتهن كذلك، شرع هذا التنظيم في تدمير العديد من دور العبادة ومراقد الأنبياء والأولياء، ومنها المرقد المعروف باسم النبي يونس في نهاية العصر العباسي،

ومن الجدير بالذكر ان مدينة الموصل في شمال العراق، تحمل موقعًا ووزنًا استراتيجيًّا وبُعدًا جيوسياسيّاً مهمّاً ، يتعلق خصوصاً بما يحدث من توازنات بمحيطها القريب والمتوسط على مستوى الاستراتيجيات الإيرانية والتركية فضلًا عن الدولية.

وأما فيما يتعلق بدخول تنظيم داعش للمدينة
فقد قام التنظيم بعملية تدمير وسحق الموروث الثقافي والمعماري للموصل، منذ السيطرة عليها عام 2014، ثم تأتي مرحلة ما بعد “داعش” منذ عام 2017، لتعمِّق هذا التدمير، على أيدي قوى سياسية وإدارية وكيانات مسلحة متنفذة تحظى بـ(شرعية) حكومية هذه المرة.

شهدت المدينة محاولات (عسكرة)، مدفوعة بنشوة النصر على (داعش)، وبدأت عمليات التغلغل في بعض الأعمال والمهام غير العسكرية بشكل غير قانوني، لتمرير مصالح كيانات مسلحة وأحزاب، بالتعاون مع الجهد الإداري المحلي المعزَّز بشرعية مباشرة من قوى الفساد الكبرى في بغداد حيث أوغلت هذه القوى بالفساد وعمَّقت جراح هذه المدينة بطريقة زادت أعباءها بعد أن تم تدمير ما يقارب 90% من بناها التحتية الحكومية أثناء تحريرها من داعش بالإضافة إلى ما خلَّفته العمليات من أضرار كتدمير “الجسور والمستشفيات والجامعات والمدارس وخطوط نقل الكهرباء ومصافي النفط والغاز ومحطات تصفية وتحلية المياه والطرق والشوارع الرئيسة”، فضلًا عن تدمير أجزاء كبيرة من أحياء المدينة السكنية أثناء عملية التحرير على يد التنظيم والقصف الجوي لا تزال أنقاض هذه الأحياء شاخصة حتى الآن في ساحل المدينة الأيمن وتحديداً فيما يُعرف بالمدينة القديمة التي تعرضت لتجريف كبير عامي 2017 و2018 من قبل الإدارة المدنية المحلية بالتعاون مع بعض القوى المتنفذة التي تحمل السلاح المشرعن من خارج المدينة، فضلًا عن تشويه عائديتها وملكيتها التراثية وتغيير لهويتها الوقفية والدينية لصالح القوى التي تحمل السلاح غير المنتمية للمدينة.

رغم أهميتها التاريخية والوطنية والسكانية، وتنوعها الديني، ابتعدت الموصل عن بغداد سيكولوجيّاً وبيروقراطيّاً وإداريّاً ومهنيّاً لاسيما في مرحلة ما بعد عام 2003 وظهور كيانات المحاصصة الطائفية والعشائرية والدينية والمذهبية بالتالي، باتت مدينة الموصل بشكل خاص، غريبة على النمط السلطوي المستحدث، ولم يتمكن أهلها من استيعاب هذا التحول نحو الهويات الفرعية التي يعتبرها الموصلي تشويهاً لهوية الدولة المركزية.

ورغم أن أغلب سكان مدينة الموصل من العرب السنَّة إلا أنها لم تُعنون نفسها على أنها مدينة سُنية مذهبية أو عشائرية بقدر ما عبَّرت عن نفسها على أنها مدينة مهنية مدنية حتى عندما كانت تحتاج لهذا العنوان في وقت صار فيه أغلب سياسيي العراق يعنونون محافظاتهم على اساس مذاهبهم ومصالح مذاهبهم وقومياتهم.

ترجم سكان الموصل سلوكهم الهوياتي المتمدن هذا حتى عام 2003 عبر الاندماج والمشاركة المباشرة في بناء وتطوير مؤسسات الدولة دون الاهتمام المباشر بالاندماج المتقدم بمؤسسات السلطات المتعاقبة التي حكمت البلاد في مراحل مختلفة؛ وهذا ما أسس للموصل وسكانها المتمدنين خصوصية كبيرة في مساعدة العراق وبناء مؤسسة الجيش والمؤسسات التعليمية ومؤسسات الخدمة العامة غير السياسية.

بعد انهيار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في الموصل، عام 2017، فرضت الاستحقاقات العسكرية الجديدة لخارطة القوى العسكرية العراقية نتائج عديدة على أرض الموصل، كان على رأس تلك الحقائق دخول مجموعة من الفصائل المسلحة، والتي استغل معظما هذا التواجد من اجل تحقيق مكاسب سياسية على الارض وفي المستقبل ، وكذلك محاربة بعض الاستثمارات واغلاق الطرق الدولية الرابطة بالموصل بمسوِّغات عديدة منها حماية بعض المراقد الدينية في الموصل وأخرى تتعلق بتثبيت أركان الاستقرار والأمن في المدينة من أجل ضمان عدم عودة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من جديد.

بيد أن كل ذلك لم يكن إلا مقدمة للشروع بنشاطات اقتصادية عديدة داخل الموصل واستثمار حالة انعدام الغطاء السياسي والرقابة المجتمعية والبرلمانية فضلًا عن غياب غطاء السلطة الحكومية المركزية نفسها “سلطة بغداد” بما يضمن عملية إعادة إعمار نزيهة كما يطمح لها أهالي المدينة، وقد نستطيع أن نذكر بشكل مباشر جملة من النشاطات الاقتصادية الشبكية التي تم تطويرها ونسجها في الموصل، ترتبط بهذه الفصائل منحتها قدرة التمويل الذاتي، والاستغناء عن قيادتها المفترضة في بغداد، فخرجت عمليًّا من نظام الضبط العسكري، ولم تعد تهتم بتلقي الأوامر من أحد. ويمكن إجمال أبرز أوجه الفساد لهذه القوى المسلحة بالتالي:

١- فساد الاراضي: وتمثل في السيطرة على العديد من المناطق الواسعة والطرق الاستراتيجية في المدينة واحالة ملفات اعادة الاعمار الى جهات فاسدة ومتنفذة لم ير المواطن حقيقة عملها على الارض.

٢-تهريب النفط: تمكنت بعض الكيانات العسكرية الرديفة التي اشتركت في عملية تحرير المدينة من السيطرة على أكثر من 73 حقل نفط من حقول مناطق جنوب وغرب الموصل بالتعاون مع مجاميع محلية مسلحة تم تشكيلها في تلك المناطق أو ما يُعرف بـ”الحشد العشائري”، لكن هذه المجاميع ليست إلا واجهة فقط لعمليات تهريب كبيرة تُجرى بأسمها فقط لصالح شخصيات متنفذة أكبر من خارج المدينة ، وتُقدَّر كميات النفط المهربة بأكثر من 100 إلى 150 صهريجاً يومياً “الصهريج يسع 36 ألف لتر”، ناهيك عن السيطرة على عملية النقل الخاصة بهذه العملية والعمولات التي تحصل عليها هذه الكيانات الرديفة كسماسرة الطريق الذين يضمنون وصول هذه الشاحنات إلى الأماكن الذاهبة إليها سواء في الموصل أو بغداد أو خارج العراق إلى سوريا.

٣-اقتصاد الطريق “السيطرة على الممرات الدولية المؤدية إلى الموصل”: يحيط بمدينة الموصل خمس محافظات رئيسة، هي: دهوك من الشمال الغربي، وأربيل في الشمال الشرقي، وكركوك في الشرق، وصلاح الدين من الجنوب، ومحافظة الأنبار من الجنوب الغربي، فضلاً عن امتلاك محافظة نينوى حدوداً برية تصل إلى أكثر من 320 كلم مع الجانب السوري وممرّاً ضيقاً يقع ضمن المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان في قرية فيش خابور يوصل الموصل بتركيا مباشرةً لكنه الآن يخضع لسلطة إقليم كردستان وتُقدَّر المردودات التقريبية شهريًّا جرَّاء (اقتصاد الطرق) غير الشرعي بأكثر من 15 إلى 20 مليون دولار تُدفع كعمولات نقدية مباشرة من قبل أصحاب الشركات والشاحنات للجهات المسيطرة على الطرق الدولية المؤدية إلى الموصل مما عمَّق الأعباء الكبيرة لعمليات الاستثمار وإعادة الإعمار حيث باتت الموصل بيئة طاردة للعمل بسبب هذه الممارسات.

٤-بيع “السكراب ” أو ما يُعرف ببقايا الحديد والمعادن من المنازل والبنى التحتية المدمرة: شهدت الأسابيع الأولى بعد تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” نشاطات واسعة لشركات خاصة دخلت الموصل بعد تحريرها ترتبط هذه الشركات بصورة غير مباشرة بقيادات بعض المجموعات المسلحة التي قاتلت في الموصل من ثم أسست لنفسها شركات بأسماء ثانوية من أجل العمل والاستثمار عملت هذه الشركات وأغلبها لشخصيات من خارج الموصل بتسهيلات مباشرة من محافظ نينوى السابق، نوفل العاكوب، المتهم بعشرات تهم الفساد، بالإضافة لتعاون بعض مديري الدوائر المحلية المتواطئين معه على إحالة عقود رفع الأنقاض والحديد والسكراب من مدينة الموصل.

وأما المحور الاخير في دراستنا اليوم هو النظرة الايرانية التركية للموصل في الوقت الحالي ومستقبلاً:
نظرت طهران للموصل على أنها حلقة معقدة في استراتيجيها حيال العراق، بل إنها حلقة عصية للغاية أمام مدِّ النفوذ الإيراني فيها بعد عام 2003 يتعلق الأمر بالتراث التاريخي للمدينة، والثقافة السياسية السائدة فيها، وهي ذات طابع مرتبط بميراث القومية العربية، مع اتجاه محافظ فرض رؤية صارمة تجاه القضايا الوطنية، ومنها معارضة التدخل الأجنبي وفي مقدمته طبعاً التدخل الإيراني.

وأما تركيا فأنها تعتقد أنها تمتلك مصالح تاريخية فيما كان يُعرف سابقاً بولاية الموصل والتي كانت تضم إقليم كردستان الحالي “أربيل، دهوك، السليمانية” بالإضافة لكركوك والموصل المدينة بيد أن هذا الاعتقاد يكاد يندرج ضمن دائرة الأحلام التركية الإقليمية غير المدركة واقعيًّا؛ حيث ظلَّت تركيا بعيدة نسبيًّا عن الموصل وما شهدته من متغيرات، فيما حظيت إيران واقعيًّا بنفوذ قوي أمني واقتصادي في المحافظات التي كانت تشكِّل ولاية الموصل (العثمانية)
بالمقابل، انشغلت تركيا بمواجهة تهديدات انطلقت من محافظة نينوى، من حزب العمال الكردستاني الذي يتمركز منذ طرد تنظيم الدولة في سنجار غرب الموصل، وظهرت منذ عام 2003 معالم تخبط كبير في الاستراتيجية التركية تجاه الموصل، مما تسبب بأن تكون نينوى مصدر تهديد، بدلًا من أن تكون نقطة التقاء حضاري وثقافي مع العراق ككل.

ختاماً كانت هذه لمحة بسيطة عن واقع تعيشه احد اهم محافظات العراق اليوم وسط صراع قائم في البلد متمثل بأزمة اقتصادية وسيادية حادة
ومستقبل مبهم ومجهول، تنتظر الموصل دائمًا أملًا جديداً لكي يعيد انتشالها من ضياعها الحالي، فهي ضحية لفشل عراقي كبير في احتوائها كمعقل أخير بعد تجريف بغداد والبصرة مدنيّاً وديمغرافيّاً،
يبقى السؤال القائم حاليا هل ستنجح الحكومة بالتعامل مع ملف الموصل بصورة مهنية ورغبة حقيقة بالاصلاح وهل نجحت الحكومة في التعامل مع الملفات المشابهة الكثيرة في البلد؟!

يــــتـــــبــع …….

 

*يمنع منعاً باتاً استخدام المعلومات والنصوص الخاصه والواردة في هذا الموقع الا بأذن مسبق من ادارة المركز

أكتب تعليق