ان الشباب وعلى مر عصور كانو هم حجر الاساس في بناء المجتمعات وتطويرها والنهوض بها من اجل مستقبل افضل لتلك الشعوب
اما العراق فانه يزخر بطاقة شبابية هائلة تمثل ثلثي عدد السكان تقريبا، وتطمح للنهوض بالبلد من خلال التطوير والبناء والتغيير ،
أن الشباب العراقي يمتلك كبقية الشباب العربي جذوراً حضارية وثقافية وفكرية ضاربة في التاريخ، ما يجعله قادرا على العبور بالبلد من النكسة الحالية التي يمر بها، واجتياز عوامل الإحباط واليأس والضعف المُلْتفّة حول رقبة أحلامه وطموحاته.

وبالرغم من العنوان السابق الا انه من الجدير بالذكر التطرق لماضي هذا الشباب وخصوصاً ل ٧٠عاما مضت، ولعلنا نتطرق الى اخر ملوك العراق ” الملك الشاب فيصل الثاني” والذي كان في وقته يشكل الواجهة الطموحة للشباب العراقي.

ثم قامت ثورة ١٤ تموز من العام ١٩٥٨ بقيادة “عبدالكريم قاسم” ، وما كان لها من تأثير على اوساط الشباب في ذلك الوقت بل كان الشباب العراقي نواة لجميع التحركات السياسية في البلد والمحرك الرئيسي لأدارة البلد بالشكل الامثل من اجل النهوض بالعراق في تلك الفترة ، ومن الادلة على ذلك اطلاق النقابات والتي كان الشباب هم وقودها وحجر الاساس فيها، كان الشباب العراقي في ذلك الوقت يمتلك من الطموح الشيء الكبير ومن الثقافة والوعي ما يمكنه من ادارة دفة البلاد تواجدت الاحزاب في تلك المرحلة بكثرة ولم تكن حبرا على ورق بل كانت فاعلة ومؤثرة في الشارع العراقي، ولعل ما تواجد في داخل الشباب العراقي في تلك الفترة هو وطنية منقطعة النظير وشعور بالانتماء للوطن قل ما تجد له مثيلا في الوقت الحاضر
ووعي عجيب تفرد به الشباب في ذلك الوقت.ونتاج ذلك الوعي هو ثورة ٦٣ ومن ثم ثورة ٦٨ والتي كانت بجهود وبتحركات شبابية بحتة.
وللأسف لم يلبث الشباب العراقي طويلاً ثم بدء الزج به في ساحات الصراع المختلفة واصبح وقود للصراعات والحروب لمدة طويلة، فاصبحت طموحات هذا الشباب تتلاشى وتختفي يوما بعد يوم وحتى يومنا هذا .

واما بالنسبة لما يعيشه الشباب العراقي من العام ٢٠٠٣ ووالاعوام التي تلت ذلك العام وحتى هذا العام فأن ابسط ما يقال عن هذه المرحلة هو دخول الشباب العراقي في نفق مظلم بدد طموحاتهم واهدر طاقاتهم ولعل هذا ما طمح له السياسيين وأمراء الحرب فأصبحوا وقوداً للصراع والاضطرابات، بل صاروا سبباً رئيسياً في إيقاف عجلة الاقتصاد وعدم الاستقرار الاجتماعي والأمني الذي يعيشه البلد، فما الذي أوصل الشباب العراقي إلى كونهم حالة سلبية في المجتمع بدل أن يكونوا حالة إيجابية؟ ومن المسؤول عن الانحراف السلوكي والفكري لدى شريحة كبيرة منهم؟ ولماذا وصلت الطائفية حتى لأحلام الشباب، فصارت طموحاتهم مختلفة بين شمال ووسط وجنوب؟
باعتقادي فأن الأجابة على هذه التساؤلات واضحة ومعروفة يقيناً لدى القارئ.
‎ووفق رؤية بعض المراقبين، فإن الشباب العراقي ما عادت تطلعاتهم ورؤاهم للمستقبل متطابقة، إذ أن سِنِوات الحرب والشحن الطائفي قد شوّهت تلك الأحلام والطموحات، وصار لكل فئة هموم وآمال مختلفة، فانخرط بعض شباب الجنوب في مشاريع ذات أبعاد طائفية لا تخدم سوى دول إقليمية تسعى للهيمنة على العراق وفرض إرادتها عليه.

بينما وجد بعض شباب الوسط الناقمين من التهميش السياسي والتعسّف الأمني في جماعات متشددة ومشاريع أخرى مكاناً للتعبير عن سخطهم من الظلم والاضطهاد ومن سياسات طائفية أنتجتها الظروف المعقدة التي مرّ البلد، وخصوصاً في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي.

إلى ذلك، يجد المتابع أن شباب الكرد يعيشون في واقع آخر، ويحملون هموماً مختلفة، فهم يسعون خلف دولتهم القومية المنشودة، غير متفاعلين مع الاتجاهات والحركات السياسية المتشكلة في البلد، ولا مع الأوجاع والآلام التي يعانيها الشباب في بقية أنحاء البلد. وبذلك يكون المشهد معقدا ومعقدا جدا.
من الادلة على ذلك:
‎المظاهرات التي حصلت في العراق خلال السنوات الماضية دليل على الهموم المختلفة للشباب العراقي بين شمال ووسط وجنوب، وكما يقول احد المراقبين فأن “الشباب السنّي” تظاهروا في العام 2013 احتجاجاً على التهميش السياسي والتضييق الأمني والاعتقال التعسفّي الذي كانت الحكومة تمارسه في مناطقهم، مطالبين بحلول عملية ودائمية لمشاكلهم، فلم يخرج وقتها معهم أحد، ولم يجدوا ولو كلاما يناصر مطالبهم المشروعة من الجنوب والشمال، وبدا وكأنهم يعيشون في بلد آخر، بل تعاملت السلطات معهم بكل قسوة وعنف، حتى جعلت الناس في تلك المناطق مستعدين نفسياً لاستبدال الحكومة بأيٍّ كان، فاستغل “تنظيم الدولة” تلك الفرصة، ثم كانت النتيجة دماراً وقتلاً وتهجيراً ما زالت آثارُهُ إلى اليوم.، والأمر ذاته حصل مع الكرد في 2017 إذ خرجوا في مظاهرات حاشدة احتجاجا على تأخر الرواتب وسوء الخدمات والفساد المستفحل، ولم تجد أصواتهم العالية حينها صدى في وسط وجنوب العراق . وختاما المظاهرات الأخيرة التي اشتعلت في بغداد ومحافظات جنوبية، ومما يثير العجب والاستغراب أن المطالب التي نادى بها أهل الوسط والشمال من قبل، يطالب بها نفسها أهل ساحة التحرير وبقية الساحات، لكنها الطائفية التي بلغت مبلغا خطيرا في نفوس الناس، وهكذا أرادها حكّام ما بعد 2003 لأنهم يجدون في هذا الوضع عاملا رئيساً لبقائهم واستمرارهم.

وأما اخر هذه التحركات والصحوات للشباب العراقي هو ثورة تشرين ٢٠١٩ والتي من واجبنا تسميتها ثورة سواء حققت اهدافها او لم تحققها
لأنها ثورة شباب لا ثورة احزاب وثورة طموح لا ثورة مكاسب سياسية وثورة حياة لا ثورة موت ثورة جيل رفض الفساد بجميع اشكاله وصوره
ثورة جيل لم يشهد ما مر به العراق من حكومات متعاقبة تلت الملكية ثورة جيل لم يعرف عن العراق سوى الظلم والقهر وتردي واقع الحياة.

الذي حرك شباب ثورة تشرين الأول 2019 معاناتهم ، وحرمانهم ، من أبسط شروط العيش الكريم ، من الماء والكهرباء ، ومن فرص العمل ، وحركهم مقتهم لحيتان الفساد وسراق المال العام ، والمتاجرين بدينهم ومذهبهم ومقدساتهم ، وحركهم رفضهم للنفوذ الإيراني. إنها ثورة لا تختفي وراءها أصابع من وراء الحدود، سواء الحدود الشرقية ، أو الشمالية ، أو الجنوبية ، أو الغربية. فهي عراقية ، شبابية ، عفوية.
لم يسلم كما هو معروف لدى الجميع الشباب العراقي في تحركهم الاخر من قمع على جميع الاصعدة كممت الافواه ، أغتيل الناشطون، قطع الإنترنت وجوبهت هذه الثورة بكل الطرق الممكنة لإجهاضها وقتل ما تبقى من طموح للشباب العراقي.
يعيش الشباب العراقي اليوم ظرفاً هو الاصعب في تاريخهم اذ ينظرون لتاريخ متعب وحاضر مدمر ومستقبل مجهول.
وتستمر عملية تكميم الافواه التي تقودها المليشيات وما يقف معها و يدعمها من الاحزاب المتواجدة في السلطة ، من قتل واغتيال للنشطاء في محاول لأجتثاث ما تبقى من طموح لهذا الشباب.
ويبقى التسائل اخيرا هل يستطيع الشباب العراقي النهوض من هذا الواقع المرير وإنقاذ البلد مما يمر به.

هل سيرى الشباب العراقي دولتهم المدنية التي يعيش فيها الجميع حياة كريمة قائمة على المواطنة وحفظ الحقوق وتوفير سبل العيش،
ولعل الأهم هل هناك من هو مستعد لدعم ومساندة هذا الشباب من اجل عراق مستقر مستقل آمن ومنطقة محيطة هادئة؟

 

*يمنع منعاً باتاً استخدام المعلومات والنصوص الخاصه والواردة في هذا الموقع الا بأذن مسبق من ادارة المركز

أكتب تعليق